الأخبار

في ذكرى افتتاحها.. قناة السويس تسببت في حرب واحتلال واغتيال رئيس وزراء

تضرب فكرة حفر قناة لوصل البحرين الأبيض المتوسط والأحمر بجذورها بعيدا، حتى تصل إلى عصور الفراعنة قبل قرون من ميلاد المسيح عليه السلام.

فالقناة التي قامت وانهارت على ضفافها -وأحيانا بسببها- ممالك ودول عظمى كانت سببا مباشرا أو غير مباشر لاحتلال إنجلترا مصر، وكذلك العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، واغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا بعد شروعه في مد امتياز شركة قناة السويس.

فمن الفراعنة -وتحديدا أيام حكم سنوسرت الثالث- والرومان والبيزنطيين إلى الخليفة عمر بن الخطاب ثم الدولة العباسية والدولة العثمانية، ثم جاء الأوربيون؛ طرحت فكرة شق القناة، وتصرفت كل امبراطورية حسب رؤيتها من حفرها أو ردمها أو محاولة إعادتها للحياة.

ووافق أمس (16 نوفمبر/تشرين الثاني) ذكرى الاحتفال المهيب لقناة السويس، الذي حضره ملوك وأمراء أوربا قبل 151 عاما، وكان البذخ الذي بدا للجميع في احتفال الافتتاح أحد المنعرجات التي كبلت مصر بديون قادتها للتبعية، ومن ثم تعرضها للاحتلال.

بداية القناة

في 25 أبريل/نيسان 1859 ضُرب أول معول لشق قناة السويس بناء على فرمان صدر من والي مصر الخديوي محمد سعيد، منح خلاله المهندس الفرنسي فرديناند ديليسيبس امتيازا لحفر القناة، ثم تشغيلها لمدة 99 عاما، مقابل حصول مصر على 15% من أرباحها، فأنشأ الشركة العالمية لقناة السويس البحرية.

وبدأت أعمال الحفر بأكثر من 20 ألف عامل مصري، في ظروف متناهية القسوة؛ أودت بحياة 120 ألف عامل وفلاح من إجمالي مليون مصري شاركوا في حفر القناة على مدار 10 سنوات، حسب ما ذكره المؤرخ الدكتور عبد العزيز محمد الشناوى في كتابه “السخرة في حفر قناة السويس”.

ويرصد الشناوي في كتابه تراجع شركة قناة السويس عن وعدها بحفر قناة للمياه العذبة تمد بها العمال، مما أدى إلى وفاة الآلاف منهم تحت وطأة العطش، بل ونكثت الشركة بوعدها -كذلك- في توفير مستشفى ميداني للعمال، فحصدت الأوبئة كالسل والجدري والكوليرا أرواح آلاف آخرين من العمال، غير الذين غرقوا في مياهها.

بذخ غير مسبوق

وعند الافتتاح، أقام الخديوي إسماعيل حفلا باهظ التكاليف، حضره أكثر من 100 ألف أجنبي ومصري، وبلغت تكلفته نحو 1.5 مليون جنيه بأسعار ذلك الزمان، إضافة إلى 160 ألف جنيه تكلفة إنشاء دار الأوبرا، وشيد قصرا فخما على بحيرة التمساح، و1200 خيمة مجهزة لإقامة المدعوين من أوروبا.

وذهب إسماعيل بنفسه إلى أوربا لدعوة ملوك وأمراء وساسة وأرباب العلم والأدب والفن؛ واستجاب لدعوته 600 منهم، أشهرهم الإمبراطورة أوجيني زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث.

وبدأت الملاحة في القناة رسميا في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1869 بعمق يقارب 8 أمتار، وطول يفوق 162 كيلومترا، وبغاطس يقل عن 7 أمتار؛ مما يمكن سفنا لا تزيد حمولتها على 5 آلاف طن من العبور.

وبعد 18 عاما، أدخلت شركة قناة السويس نظام الملاحة الليلية، بعد أن كانت مقتصرة على النهار فقط، ثم شرعت في تطوير وتحسين مواصفات القناة؛ فزادت عمقها حتى وصل إلى 13 مترا ونصف المتر، وزادت عرضها عند القاع من 22 إلى 42 مترا.

خداع ديليسبس لعرابي

يذكر المؤرخ محمد فريد في كتابه “تاريخ الدولة العليا العثمانية” خداع ديليسيبس للزعيم أحمد عرابي، الذي كان يقود جيش مصر لصد الغزو الإنجليزي لاحتلال القاهرة، بعد أن طلب منه سد القناة لمنع مرور السفن الإنجليزية.

لكن ديليسيبس أكد له أنه لن يسمح للسفن الإنجليزية بالملاحة داخل القناة، وهو ما لم يحدث؛ الأمر الذي أتاح للإنجليز السيطرة على قناة السويس ملاحيا، واحتلال جميع مدن القناة، ومن ثم تقديم عون كبير للجيوش التي نجحت في قهر عرابي واحتلال مصر.

تأميم القناة

في عام 1956، اتخذ الرئيس المصري جمال عبد الناصر قرارا جريئا هزّ أركان أوروبا، وربما العالم كله، بتأميمه الشركة العالمية لقناة السويس؛ مما أثار جنون بريطانيا وفرنسا صاحبتي نصيب الأسد في قناة السويس، وشنّا -بالاشتراك مع إسرائيل- حربا على مصر بعد أسابيع من قرار التأميم.

وشكك كثيرون في قدرة مصر على إدارة القناة بشكل ناجح، لكنها أثبتت قدرة فائقة في إدارتها بعد عودتها لمصر، التي دفعت ثمنها من دماء أبنائها الذين ماتوا بعشرات الآلاف، وجرت دماؤهم في القناة قبل المياه، حسب تعبير الشاعر المصري صلاح جاهين.

تفريعة بلا جدوى

في أغسطس/آب 2014، فوجئ المصريون بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته المواطنين للاكتتاب فى شهادات استثمار لتمويل مشروع حفر ما أسماها “قناة السويس الجديدة”.

ونجحت الدولة في جذب 64 مليار جنيه (كانت تساوي نحو 8 مليارات دولار وقتها) خلال أيام، ليتضح أنها مجرد تفريعة بطول 35 كيلومترا، مع تعميق مسافة 37 كيلومترا أخرى.

وأعلن مسؤولون أن القناة الجديدة ستجلب إيرادات تبلغ 100 مليار دولار سنويا، لكن ذلك لم يحدث، وظلت الإيرادات تراوح الأرقام القديمة، بل وتراجعت في أول عامين مقارنة بالأعوام السابقة على العمل بالتفريعة الجديدة.

ولخصت شبكة بلومبرغ الأميركية ما تعنيه التفريعة الجديدة، حيث قالت في تقرير لها إن مصر تهدر 8 مليارات دولار على توسعة لقناة لا يحتاجها العالم.

خسائر ممتدة

وقال الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين إن ما تم دفعه من الاحتياطي النقدي للبلاد في المشروع بلغ نحو 8 مليارات دولار خلال عام، بدلا من 3 سنوات، مما اضطر الحكومة في النهاية لقرار تعويم الجنيه، وانخفاض قيمة العملة المحلية إلى الثلث، وزيادة معدل التضخم إلى 36%، وارتفاع الأسعار مع انخفاض الدخول.

وأوضح شاهين -في تصريحات سابقة للجزيرة نت- أن دراسة الأوضاع الاقتصادية العالمية وقتها كانت تؤكد ضرورة إرجاء المشروع، نظرا لمرور الاقتصاد العالمي بتباطؤ واضح، فضلا عن مؤشرات عديدة كانت تؤكد إقدام الدول الكبرى على إيجاد بدائل لقناة السويس برمتها، منها إنشاء قطار يربط بين الصين وأوروبا.

ضربة مؤلمة للقناة

وأعرب رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع عن مخاوفه من التحديات التي أصبحت تواجه القناة، وأهمها وجود منافس بري أقل تكلفة، وأن ترتيبات إقليمية تمس الأمن القومي المصري بدت واضحة للجميع.

كلام ربيع تؤكده تقارير صحفية إسرائيلية وغربية، تشير إلى إحياء خط أنابيب لنقل البترول والغاز للعالم يمتد من أبو ظبي إلى ميناء إيلات، مرورا بالأراضي السعودية؛ ويكون بديلا للنقل عبر قناة السويس.

بل إن الخارجية الإسرائيلية نشرت العام الماضي -على حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك- مقطع فيديو يصور تفاصيل الشروع في خط جديد للسكك الحديدية يربط بينها وبين دول الخليج؛ باستخدام إسرائيل جسرا بريا، وتصبح المملكة الأردنية مركز مواصلات إقليميا.

وقالت إن المشروع يتضمن إقامة ميناء شحنات بري كبير وحديث في الأردن، لنقل الشحنات إلى جميع دول المنطقة، ويربط الحدود الأردنية بدول الخليج العربي من خلال خط حديدي جديد داخل السعودية.

ورغم أن خبراء ومنهم وائل قدور نائب رئيس هيئة قناة السويس السابق، يرون أن المشروع دعائي لتحفيز دول الخليج على التطبيع مع إسرائيل، فإن هناك من يرى أن تنفيذ المشروع وارد، خاصة بعد نجاح إسرائيل مؤخرا في التطبيع مع بعض تلك الدول.

الأمر الذي جعل من تطوير “اللوجيستيات” وعمليات نقل البضائع في قناة السويس ضرورة ملحة لمواجهة تلك التحديات الخطيرة على قناة السويس؛ حسب تصريحات صحفية لقدور.



المصدر: “الجزيرة ووكالات الأنباء” 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى